الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
176
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين . " الخردل " نبات له حبة صغيرة جدا يضرب المثل بها في الصغر والحقارة . وجاء نظير هذا التعبير في موضع آخر من القرآن بتعبير مثقال ذرة ( 1 ) . ومما يستحق الانتباه أنه قد عبر في ست مواضع من القرآن ب مثقال ذرة وفي موضعين ب مثقال حبة من خردل . وفي الحقيقة فإن الآية آنفة الذكر مع التعابير الست المختلفة تأكيد على مسألة المحاسبة الدقيقة في يوم القيامة . إن كلمة " موازين " ، وبصيغة الجمع ، وبعدها ذكر وصف " القسط " ، وبعده التأكيد على نفي الظلم فلا تظلم نفس شيئا وبعد ذلك ذكر كلمة " شيئا " ثم التمثيل بحبة الخردل ، وأخيرا جملة وكفى بنا حاسبين كل هذه أدلة على أن حساب يوم القيامة دقيق جدا ، وخال من أي نوع من الظلم والجور . أما ما المراد من الموازين ؟ بعض المفسرين ظنوا أن هناك موازين كموازين هذه الدنيا تنصب ، ثم فرضوا بعد ذلك أن لأعمال الإنسان هناك وزنا وثقلا ليمكن وزنها بتلك الموازين . إلا أن الصحيح هو أن الميزان هنا يعني وسيلة قياس الوزن ، ومن المعلوم أن لكل شئ مقياس وزن متناسب معه ، كميزان الحرارة ، وميزان الهواء ، والموازين الأخرى الذي يتناسب كل منها مع الموضوع الذي يريدون قياسه بها . ونقرأ في الروايات الإسلامية أن موازين الحساب في القيامة هم الأنبياء والأئمة والصالحون الذين لا توجد نقطة سوداء في صحيفة أعمالهم ( 2 ) . فنقرأ : " السلام على ميزان الأعمال " ! وتجد التوضيح والتفصيل بصورة أوسع حول هذا الموضوع ذيل الآية ( 8 ) من سورة الأعراف . إن ذكر الموازين بصيغة الجمع لعله إشارة إلى هذا المعنى أيضا ، لأن رجال
--> 1 - الزلزال ، 7 . 2 - بحار الأنوار ، ج 7 ، ص 252 .